المؤتمر الصحافي في المركز الكاثوليكي للاعلام السيرة الذاتية
النظام الأساسي
اتصل بنا النظام الداخلي
مؤسسة البطريرك نصرالله صفير
 

المؤتمر الصحافي لإعلان
مؤسسة البطريرك نصر الله صفير
في المركز الكاثوليكي للإعلام في 1/تشرين الأول/2004


أرحب بكم جميعا في هذه الظهيرة بإسم اللجنة التأسيسية لمؤسسة البطريرك نصر الله وأعتبر أن حضوركم هو خير تعبير عن محبتكم للسيد البطريرك. لأن المؤسسة الناشئة تستقي فلسفتها من رسالته وتلتزم مبادئه الإنسانية والوطنية إذ أننا وضعنا الأهداف متمثلين بقيم الرجل وقناعاته.
أسترجع في مرحلة أولى نبذة عن مسيرته الذاتية وفي مرحلة ثانية إستعراض أهداف المؤسسة.

I في 20/5/1920، ولد نصر الله مارون صفير في بلدة ريفون من أعمال كسروان. والدته، حنة فهد من غوسطا، وهو الإبن الوحيد في عائلة تتألف من خمس شقيقات.

ترعرع في صخور ريفون العتية وآمن بصلابة الإيمان وصعوبة السير على خطى المعلم الإلهي إن لم تقترن بتضحيات جسام وقهر الذات ومحو الشهوات وإرساء خيارات ثابتة لا تعديل فيها ولا مقايضة ولا حسابات ربح وخسارة.

وهكذا سار الدرب الطويل من ريفون الى مدرسة عشقوت مع أصدقاء وأنسباء غابت منهم وجوه نيرة ولم يزل بعض آخر أحياء يرزقون، يعتزون شديد الإعتزاز برفيقهم الغالي من أرادته عناية الله بطريركا للكنيسة والوطن.

ومن عشقوت الى دير مار عبدا هرهريا – القطين في فتوح كسروان، مشى على طريق الرب درب الثقافة واللاهوت حتى سنة 1950 حين دعاه الرب الى الكهنوت فأقيم كاهنا على مذابح كنيسة روكس في ريفون بوضع يد المطران يوحنا الحاج مطران دمشق آنذاك يوم كانت نيابة صربا البطريركية جزءا من كرسي دمشق.

وعليه كان الاختيار الاول حين كلف الخوري الشاب بمهام أمانة سر مطرانية دمشق حتى سنة 1955 حين رسى الاختيار – الخيار من قبل البطريرك بولس بطرس المعوشي الذي أوكل إليه أمانة سر البطريركية المارونية بكل تفاصيلها وأطرها. فكان الأمين المؤتمن.

1961 محطة بارزة أخرى، مجلس الأساقفة الموارنة ينتخب الخوري نصر الله مطرانا نائبا بطريركيا عاما ومنذ ذلك الحين لم يصدر أي بيان أو رقيم بطريركي عن بكركي طوال ربع قرن إلا وفيه بصمات للمطران صفير.

عرف طوال خدمته الاسقفية بعمله الصامت، وحكمته المتقدة، ورأيه السديد والعمل في ظل رأس الكنيسة دون كلل أو تشك. وآمن أن الإنسان المسؤول خصوصا في الخدمة الراعوية والأسقفية داخل الكنيسة لا بد وأن يتجرد من حالاته الضيقة لينطلق الى أفق واسع في سبيل تحقيق أسمى الرسالات فكان وعن حق فوق منطق المنطقة والعائلة والتصق بالكنيسة الجامعة الرسولية.

وهكذا عرف بنهج لا يشبه إلا نفسه، لم يسع لموقع من أي نوع ولم يساير أو يساوم طوال كهنوته بل بقي الخوري نصر الله الرائد بكلمته، الساعي لتثقيف النفس وترويض الفكر واستنهاض الهمم.

عرف برجل المهمات الصعبة، موفدا غير مرة من قبل السيد البطريرك الى القمم الروحية في دار الفتوى والمجلس الشيعي الأعلى والقصر الجمهوري في أصعب الأزمات والأيام. زار بللا بعد أزمتها المرة، وقنات وإهدن بعد حادثتهما الأليمة ورافق المخطوفين أثناء الحرب يوم كانت السياسة المسيحية تأكل بعضها استئثارا بالسلطة على الرعية المسيحية في غير منطقة من لبنان.

عمل بجهد الجاهدين عبر ما حباه الله من طلة منبرية كنسية يسكب فيها المنمق من الكلمات بعمق معانيها. موهبة أقر بها أهل الرأي ومنهم عبد الله العلايلي وحياها أئمة اللغة العربية واعترف باتزانها أرباب السياسة والوطنية.

وفي 19/نيسان/1986 تصاعد الدخان الأبيض من بكركي، حين انتخبه مجلس الأساقفة بطريركا على الموارنة في لبنان والعالم. فأطل بتواضعه المعهود ليقول: " انتخبتموني بطريركا وأنا لست بأعلمكم ولا بألمعكم ولا بأحكمكم ...... ولكنها إرادة الله".

...... "انتخبتموني بطريركا فحملتموني صليبا ثقيلا تنؤ كتفاي بحمله ...... إنه صليب المارونية التي ألصق ولا يزال يلصق بها مما هي منه براء".

إنني أعرف أني ضعيف... ولكني أعرف في الوقت عينه ما يقوله الرسول وهو: " ...... أني قوي بقوة من يقوينني"... قوي بالله... بالكنيسة، شعبنا الماروني..... القديسون من بيننا".

وهكذا بدأت رحلة بطريركية متزامنة مع ما يعيشه لبنان من أزمات جسام تعصى على الحلول الناجعة. إجتماعات ودراسات واتصالات مع أفرقاء الشرق والغرب لخلاص لبنان. صوت هادر لا يهدأ وإرادة لا تعرف الكلل من أجل سيادة وعدالة وحقوق.

سعي دؤوب للحفاظ ولو على شكل المؤسسات الدستورية. زيارات مكثفة الى دول العالم من أميركا الى كندا، استراليا، بريطانيا، المانيا، سويسرا، هولندا، الجزائر، الكويت، الاردن، تونس، مصر، افريقيا السوداء والجنوبية. حتى أنه ورغم الافق المسدود في بعض الأحيان، بقي رجل الحقيقة والأمل للبنانيين الأحرار المتطلعين الى وطن حر، بكل ما تعنيه الحرية من معان سامية.

وضمير المجتمع بأوجاعه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، أزمة الهوية وهموم الجيل الجديد. هذا هو السيد البطريرك مار نصر الله بطرس صفير الكلي الطوبى.


II - أهداف المؤسسة:

تكريما لهذا الرجل الكبير، وحفاظا على نتاجه الفكري الثمين الذي يمثل عصارة فكر نير طوال عقود طويلة ارتأينا مع بعض من نتشارك معهم الاهداف الانسانية، أن ننطلق بمؤسسة تحمل اسمه على أمل أن تقوم بما أوكل إليها من مهام وقد اخترنا مقرها في العاصمة بيروت نظرا لما نصبو إليه من أهداف لبنانية لا تحدها منطقة أو منطق.
مؤسسة البطريرك نصر الله صفير هي جمعية ذات أهداف ثقافية وفكرية واجتماعية. هويتها لبنانية ورسالتها المرجوة خدمة لكل اللبنانيين، دورها تواصل مع لبنان المنتشر في أصقاع الارض وخطها هو سيرة السيد البطريرك نهجا وعملا.

أما أهدافها فتتلخص بالآتي:

1- نشر التراث اللبناني:
هو الارث الحضاري والفكري والديني والابداعي المشع على الشعوب كلها. كيف لا وهذا التراث يمثل "الوزنات" التي وهبناها الرب وعلينا الحفاظ عليها والعناية بها عناية الاب الصالح، والا نكون قاصرين ورسلا بغير حجم الرسالة. وجدير التذكير بما قام به السيد البطريرك عندما أعيد ترتيب دير قنوبين حيث يرقد بطاركة عظام وحضرت الراهبات من جديد لأن من يهمل تاريخه العابق سيهمله المستقبل الآتي.
كما عمل على تصنيف وادي قاديشا ضمن التراث العالمي للأونيسكو.

2 – أما بعد، فإن هدفا آخر وضعناه نصب أعيننا يتمثل بالتعاون مع المؤسسات المختصة من أجل تنظيم مؤتمرات وندوات حول قضايا عدة بينها السلام وقد عرف السيد البطريرك بأنه داعية سلام ووئام بين أبناء الوطن وفي الشرق. ومواقفه أثناء حروب الاخوة وعند انطلاق منظومة حرب الحضارات شاهد صدق. والسلام أيها السادة ليس نظرية تبحث في المجالس المغلقة بل هي ثقافة مستمرة في المدارس والنوادي ومؤسسات المجتمع الأهلي وهكذا سنسعى لتنظيم دورات تعليمية وطاولات مستديرة حول منطق السلام والعدالة وقبول الآخر.

3 – والديمقراطية وهي النظام الذي يتفاعل فيه المواطنون عبر دينامية التنوع الثقافي الحضاري والديني. وقد أشار غبطته غير مرة الى ما يعانيه النظام الديمقراطي عندنا من أزمات ونكسات حيث تغيب المؤسسات ويتعطل التواصل ويسود منطق الغالب والمغلوب بينما المطلوب ديمقراطية لا تسودها معادلة العدد بل تفاعل النوعية.
من هنا، نتطلع الى تنظيم مؤتمرات متتالية تتمحور حول الديمقراطية البلدية والسياسية، مع ما يستتبعها من مبادئ التوزيع العادل للحقوق الاقتصادية ولا سيما الصحة والتعليم وسواها مما نشكو منه جميعا.

4 – والبيئة وهي صحة الانسان وكنزه الأثمن ولا ريب اذا ما أقرن بعض المفكرين عمق روحانيتنا بصفاء وادي القديسين وسواه من أماكن طبيعية تصل الانسان بالسماء. وهذه النقطة تستجلب اهتمام المجتمع الدولي للمؤازرة والمساهمة في الحفاظ على كنوزنا القيمة. وهذا ما حصل حين أوقفت البطريركية المارونية أراضيها لتسهيل إقامة محمية حريصا للمحافظة على هذه الثروة الخضراء على مشارف البحر المتوسط خوفا من باطون زاحف دون رادع او إطار قانوني سليم.

5 – أما حقوق الانسان فهي جزء من حق الله فينا وعلينا وحق الدفاع عن المظلومين من بيننا كي لا نقع في مطب اليائسين أو نضحي كبيلاطس نغسل أيدينا من ظلم السجون ومتولي الاحكام في بعض الأحيان. فستكون المؤسسة صوتا صارخا في وجه الاعتداء على كرامة الانسان ظلما وتعسفا ايمانا بأنه على صورة الله ومثاله وتمثلا بمن صلب ويصلب كل يوم بأفعال شائنة. تجدر الاشارة الى أنه لم تخلو رسالة أو موقف للسيد البطريرك من التنديد بما يحصل في هذا المجال حتى أنه أصدر رسالة مفصلة حول هذا الموضوع سنة 1995.

6 – أما التاريخ فهو كنز الماضي الذي ينير دروب الحياة والمستقبل. أما قال غبطته يوما: نريد قادة لا يستحي ماضيها من مستقبلها ولا مستقبلها من ماضيها. تاريخنا شاهد علينا، ومستقبلنا سيكون من أعمالنا شاهد لأجيال قادمة...... وهذا هو التحدي والرهان. وقد كان غبطته سباقا في هذا الاطار إذ أعيد تنظيم أرشيف البطريركية المارونية بعدما كان مبعثرا في أكثر من مقر كما حفظت المخطوطات على السكانر.

7 – أما الهدف الأول والأبرز فيتمثل بنشر مؤلفات ومحاضرات ومواقف وزيارات غبطة البطريرك نظرا لما تمثله من خزانة فكرية وأدبية ودينية قيمة. من كتاب وغابت وجوه بجزءيه وهوالمرجع في فن الرثاء العربي. الى عظة نهار الأحد: خواطر روحية ومواقف وطنية بأجزائه المتتابعة الى رسائل الصوم الثماني عشرة، الى عظات وخطب غير منشورة منذ الستينات وحتى تاريخه.
سيكون هذا النتاج منشورا على صفحة إلكترونية تطلق قريبا ليشكل عنوان المؤسسة على الانترنت، مما يفسح في المجال أمام المعنيين والمهتمين في لبنان وديار الانتشار للاطلاع على ما قام به غبطة البطريرك.


أما بعد، فإن الهدف الأخير الموضوع هو مساعدة الطلاب في الجامعات وفي المدارس على استكمال التحصيل العلمي وذلك بحسب الظروف والوسائل.

إن هذه الأهداف تمثل برنامج عمل متشعب وكثيف لا بل هو مسؤولية جسيمة نطلب من الرب ومن سيدة الوردية التي نبدأ اليوم بشهرها المبارك، أن يمدانا بالقوة والعزم لتحقيقها من خلال ايماننا العميق بمستقبل زاهر فرحا ورجاء.

إنني انطلاقا من هذه المبادئ أعلن قيام مؤسسة البطريرك نصر الله صفير جمعية فاعلة في مجتمع نريده حوارا وتبادلا لينمو الانسان وفقا لطاقاته وليستطع الاجابة على دعوته.

مؤسسة البطريرك صفير هي إطار علماني في قلب الكنيسة والوطن، هي التزام بخط السيد البطريرك وقوله ونهج عمله. أما ردد دوما مع بولس الرسول:
"ناد بالكلمة في وقته وغير وقته، وبّخ ونبّه فسيأتي زمان لا يسمعون فيه التعليم الصحيح"

مؤسسة البطريرك صفير هي عهد علينا أن نسير على خطى كبير لبنان وللبنان، مدرسة الثوابت الوطنية والانسانية. فلا تغيّر للمواقف بتغيير المواقع بل عمل دؤوب والتزام بما أشار إليه المجمع الفاتيكاني الثاني بقوله:
"على المسيحيين جميعا أن يعوا الدور الخاص والمميز الذي يعود اليهم في الجماعة السياسية. فمن واجبهم أن يعطوا المثل في تنمية معنى المسؤوليات في نفوسهم، والاندفاع في سبيل الخير العام فيبرهنون بأعمالهم هذه، كيف يمكن التوفيق بين الحرية والسلطة وبين المبادرات الشخصية والتضامن، ومقتضيات الجسم الاجتماعي كله، وبين منافع الوحدة والتنوعات الخصبة وليعترفوا بشرعية وجهات النظر المتناقضة التي تتعلق بتنظيم الاشياء الارضية، وليحترموا المواطنين المدافعين عن حقهم وكرامتهم باستقامة".

هذه الاشارة كافية لنعبّر لكم عما يختلج في نفوسنا من آمال بمؤسسة نريدها منارة كما اسم من تحمل اسمه، لبنانية صافية كما إرادته وإرادتنا جميعا.
 

عشتم وعاش لبنان
المحامي انطوان زخيا صفير